رمز الحرية العضو المميز


العمر : 33 سجّل في : 13 مارس 2008 عدد المساهمات : 188 علم البلد : 
| موضوع: الثورة الصحراوية والبناء الاجتماعي: من الواقع المرفوض نحو الواقع المطلوب الأربعاء يوليو 02, 2008 2:38 pm | |
| لقد أوحت بدايات الثورة لظهور مؤشرات مسترسلة، تحمل في أتونها رؤى وتصورات جديدة يؤطرها السياق العلمي الواعي، وفحواها ضرورة بناء نسق اجتماعي يتماشى وأفكار الثورة، وذلك لأن الثورة كفمهوم تعني إحداث تغيير جذري في المفاهيم والبنى على أنقاض حالة غير مريحة للانتقال إلى واقع مطلوب وملّح. ولن نسعى ههنا للإسهاب في الوضع الذي كان المجتمع الصحراوي يعيش تحت قسوته، ولكن السياق يتطلب الوقوف ولو سيميائيا على الفترة التي سبقت إعلان الثورة لإيجاد مسوقات تدعم ما نرمي إليه. لقد سعى الفكر الوطني الثوري سعيا حثيثا إلى تعرية الواقع الاجتماعيسي (الاجتماعي والسياسي) الذي كان يعيشه الشعب الصحراوي، وهو واقع على ما كان عليه من الظلامية والاستبداد والتفقير والتجهيل من قبل المستعمر ومن بعده الغزاة، يتميز بالتعمية الإعلامية وتشويه الحقائق وبعثها في صورة الواقع الإيجابي والمتطور. هو واقع "متفسخ رذيل ومتخلف ولا إنساني"، وهذه الصورة الصادقة حاول الاستعمار تدبيجها بمعاونة ثلة من المتساقطين المتمصلحين وراء الوضع القائم، والذين كانوا يرون أنه من الحكمة بمكان أن يبقى الوضع على ما هو عليه حرصا على ما يدره من مراكز وأموال وهبات وحظوة. وربما نحتاج هنا إلى نكرر ما يستحق التكرار على رأي جاك دريدا، لأن فيه من الدرس والعظة ما يفي بالغرض المراد. ولنترك الشهيد الولي مصطفى السيد يشرح (بالحرف ودون تصرف) سمات الواقع الاجتماعي الصحراوي قبل الثورة في لقائه بالأطر سنة 1976م ، حيث يتحدث بشكل مباشر وصريح عن العقلية القبلية التي كانت تسود المجتمع ويعطى بصورة واضحة مساويء هذه العقلية وهشاشة آفاقها، فيقول : "حتى الماضي القريب والتنظيم القاعدي الموجود على مستوى الشعب هو التنظيم القبلي، وفي الحقيقة التنظيم القبلي لا يحتاج إلى أي تفكير، فهو نابع قبل أي شيء آخر من أن الإنسان لمّا ولد قالوا له أنت فلان بن فلان من قبيلة كذا وفخذ كذا وعرش كذا... ورسخوا فيه هذا التصور منذ صغره دونما تفكير، ومن ناحية أخرى تم تعميق ذلك بنوع من المصلحة (...) إذن المصلحة هي التي تحدد الرابطة، بمعنى أن الرابطة ليست مسألة وهمية تتحدد خياليا وعاطفيا. إن الجانب العاطفي للرابطة هو الذي يألفه الناس في نفس الطفل منذ صغره بل وحتى الجانب غير العاطفي (...) إن الرابطة لا يحددها جانبها العاطفي وإنما تحددها المصلحة (...) فقد تجمعنا مصلحة مشتركة لكننا لسنا واعين بها، إذن عدم وعينا يضيع علينا الكثير من المكاسب التي كان من الممكن أن نحصل عليها، ففي واقع الحال أن القبيلة لا توفر أية مصلحة إلا في حالات متميزة، حالات العدم ، بمعنى أن الكل معدوم وأصبح مجبرا على العيش في أجزاء، نحن ككل معدومون، وهذا يتركنا نعيش على شكل وحدات أصغر، وإذا أردت القول فإن القبيلة لا يمكن أن تلعب دورا إلا في حالات العدمية السياسية (...) إن عدمية الفكرة السياسية، عدمية التنظيم السياسي هي التي تركتنا نعيش في الرابطة القبلية، نعيش مع المجموعة القليلة، وبالتالي فالمكاسب التي نحرز عليها مكاسب قليلة. لماذا؟ لأن قوة العشرة أقل من قوة المئة . إن الحالة القبلية لا تتطلب أي وعي سياسي (...) فالعاطفة وتقنية الدفاع وآلية الدفاع عن الكائن الآخر المشابه (عند الحيوان مثلا) لا تتطلب أي تفكير بل تأتي عاطفيا، ولمّا كانت كذلك فإن نفسها محدود". خصائص الواقع المطلوب: إنه من خلال تمعننا في الواقع الاجتماعي الذي شرّحه مفجر الثورة نقف على أهم سمات الواقع الذي كان يعيشه الصحراويون إبان السيطرة الاستعمارية، وهو كما ورد في النص واقع مفجع إلى أقصى الحدود ، سعى الاستعمار إلى تكريسه وتفعيله من أجل الحفاظ على وجوده. لقد عبرت الثورة في بدايات استرسالها عن رفض هذا الواقع ومعاداته جملة وتفصيلا، إلاّ أن المهم هنا، ومن خلال تحليل الفكر الثوري للواقع المرفوض، نجد أن هذا الواقع يستبطن في ذاته تجليات نقيضه، بمعنى أن الفكر الثوري انطلق من فهم الواقع فهما واعيا بقصد تغييره نحو واقع مغاير تماما له، وتكمن خلاصة هذا الفهم في نسف مخلفات الحقبة الاستعمارية والجهل والعدمية السياسية بهدف إعادة صياغة التصور الاجتماعي القاصر لدى الصحراويين، وبالتالي جاءت الثورة بمفهوم الشعب الذي تترتب عنه بالضرورة مفاهيم أخرى كان الصحراويون مغيبين عنها من قبيل التنظيم والوحدة والدولة والسيادة وتقرير المصير.. إلخ (كان الصراع آنذاك صراعا مفاهيميا، فالإدارة الإسبانية كانت تأبى الاعتراف بمفهوم الشعب وتستعيض عنه بمفاهيم مطّاطة ومذلّة من قبيل الأهالي أو السكان أو القبائل إلى غير ذلك) إن الخطاب الثوري الصحراوي، وهو يحلل الوضعية الاجتماعية المرفوضة، إنما كان يسعى إلى إماطة اللّثام عن حقيقة الوضع السائد، على الرغم من الحيثيات التي زامنته والتي تحاول هي الأخرى الإبقاء على ما هو عليه، فاستطاع هذا الخطاب أن يولّد واقعا مطلوبا على أنقاض الواقع المعيش ، ولذلك لا بد من أن نعود إلى ما قاله مفجر الثورة ومفكرها لنتأمل أهم تفصيلات الواقع المطلوب. يقول الشهيد الولي مصطفى السيد في اللقاء الذي أشرنا إليه: "إن الغاية الكبرى التي نطمح إلى الوصول إليها هي شعب، منظّم، ملتحم، قادر، ومحترم في وطنه. إن هذه الخصائص يرتبط الحصول عليها بالحصول أساسا على الوطن، فبدون وجود الوطن فإن الحديث عن هذه الخصائص غير وارد اللّهم إلا بشكل جزئي. إذن إذا كانت الشروط الخمسة الأولى مرتبطة بالوجود أو بعدم الوجود، فإن زوالها معناه عدم الوجود، وبقاؤنا كشعب معناه أن هذه الشروط متوفرة، إلاّ أنه قد لا تتوفر مئة المئة مرة واحدة (...) وهذه الخصائص تتزايد وتتناقص تبعا لمسألتين، إحداهما قدرة الشعب، والثانية قدرة الإطارات. وعلى كل حال فهذه دالة، فكلما كان الشعب قادرا والأطر قادرة كانت هذه الخصائص في تصاعد، وكلما كان الشعب عاجزا والأطر عاجزة تكون هذه الخصائص في تنازل ، متصاعدة نحو المئة هي خصائص الوطن ، ومتنازلة نحو الصفر هي القبائل والعروش ولا أدري ماذا في النهاية". إلى هنا تبدو خصائص الواقع المطلوب جلية، بحيث فُصّلت إلى خمسة عناصر قامت على أنقاض السمات الجوهرية للواقع المرفوض، والتي يمكن ترجمتها على النحو التالي، مجتمع، مُعدم سياسيا، مشتّت، ضعيف، يفتقر إلى السيادة (بدون وطن). ويأتي التفصيل الثوري للواقع المطلوب بناء على قاعدة متينة أساسها التحليل الدقيق للحالة المعيشة ومن ثمة الإتيان بنقيضها مدعوما بالحجج المقنعة والموضوعية. ومن ناحية أخرى، فإن الرؤية الثورية المؤسسة على أساس علمي مستشرف، أكدت بما لا يدع مجالا للشك بأن الحيثيات والظروف التي أسهمت في خلق هذا الواقع كان لا بد لها هي الأخرى أن تختفي تحت وطأة إعادة بنائها من العمق، وقد ارتبط هذا التصور في كثير من الأحيان بالفكر الثوري الذي لم يكتفِ بضرورة تغيير الجزئي للواقع بل تعداه إلى المطالبة بتغيير الوضع العام، ويظهر ذلك بوضوح من خلال تقييم مفجر الثورة لواقع المنطقة وطبيعة الأنظمة السائدة فيها وذلك في خطابه الذي ألقاه في الذكرى الثالثة لاندلاع الكفاح المسلّح.
مقومات الواقع المطلوب:
لقد أسهب الفكر الثوري الصحراوي في توضيح تجليات الواقع المعيش، وكذا الصورة التي يطمح الشعب إلى تجسيدها في حالة وضعه الجديد، لكن هذا الفكر لم يتجاهل، انطلاقا من دراسة نفسية واجتماعية شاملة، المقومات الأساسية التي يجب أن يتأسس عليها النموذج الجديد. إن استبدال الوضع المعيش بوضع آخر مغاير تماما يستدعي إيجاد بدائل تكون في الأساس ملموسة، وتثبت على قدر كبير من الجرأة نجاعتها، على اعتبار أن الانتقال من مرحلة إلى أخرى ينبغي أن يحدث في أسرع وقت ممكن، وأن تكون تجلياته بادية لا غبار عليها، خاصة إذا كان المعني بهذا الانتقال هو الشعب الصحراوي، الذي ينتقل من طور البداوة والعدمية السياسية والتشرذم إلى التمدن والوحدة والوجود السياسي. في هذا السياق شدّد الفكر الوطني الثوري على ضرورة إقناع القاعدة الشعبية على الأرض بأفكار ومبادىء الثورة، فالثورة أمام تغيير واقع مجتمع جاهل ويفتقد للتنظيم والرؤية السياسية، فأسلوب التعامل الثوري مع هذه المسألة يقتضي أولا وأخيرا الإقناع ولا شيء غيره. وفي ذلك يقول مفجر الثورة للإطارات: "إن طابع شعبنا بدوي، وهذا يطبعه بميزات خاصة منها النزعة الاستقلالية والرفض، ومن بين ميزات البدوي الأنفة وهي سلاح ذو حدين، والحد الذي يعنينا هو الحد السلبي. بالنسبة لنا وما دامت الأنفة من طباعنا فإن كل الأمور يجب أن تتم بالإقناع، وذلك لأن البدوي يقوم بما اقتنع به، وإذا لم يقتنع فلا ينفع معه لا الرصاص ولا الضرب ولا غير ذلك، وهذه من الصعوبة بمكان، لأن التنظيم يطلب الإقناع مرات ومرات، يطلب فقط الالتزام". وهنا يبرز لدينا تساؤل مهم وملّح، وهو على من تقع مسؤولية الإقناع ؟ وما هي الحلقة الأساسية التي تقوم عليها عملية التنظيم والتعبئة وإظهار الفكر الثوري بالصورة التي تم بها التنظير له ؟ وربما لن نحتاج إلى عناء بحث، لكننا سنتوقف قليلا لنتأمل حديث منظر الثورة وهو يصبّ الاهتمام على الدعامة الثانية من مقومات الواقع المطلوب، والتي هي الإطار أو القيادي فيقول: "إن قدرة الشعب تتجلى في اندفاعته لإحراز انتصارات، أما دور الإطار بالنسبة للشعب فدور الأم وابنتها. البنت تحلب الماعز والأم تمخض الحليب، ووجود الحليب ليس دليلا على وجود الزبدة، وإذا كان الحليب ليس موجودا فالزبدة كذلك غير موجودة، وهكذا من الضروري توفر الحليب ووجود من يمخضه للحصول على الزبدة. إذن من الضروري وجود شعب قادر يعمل على تحقيق الانتصارات، ووجود الطليعة التي تنظم هذه الانتصارات وتعطي منها للقاعدة سلاحا جديدا لتحقق به انتصارا آخر(...) وعلى القاعدة الشعبية أن تنتبه إلى أنه إذا لم يظهر من كل انتصار سلاحا جديدا لتحقيق انتصار آخر، فإن المصيبة أصبحت في الطلائع، في الإطارات، في القيادات وبالتالي يجب هزّها". وهناك شرط أساسي آخر من شروط الواقع المطلوب، وهو النظام الشعبي الديمقراطي الذي سعت الثورة الصحراوية إلى تجسيد أسسه عبر مسيرتها، وفي هذا الشرط تكمن أساليب العلاقة التناظرية بين القاعدة الشعبية والقمة، ففي الواقع المطلوب من خلال رؤية مفجر الثورة "يجب أن يكون (أي النظام) شعبيا ديمقراطيا، نابعا من القاعدة الشعبية ومن اختيارها، وفي نفس الوقت يخدم القاعدة الشعبية". وفي ختام هذا المقال لا بد لي إلا أن ألتمس من الصحفيين والكتاب الصحراويين والمثقفين والوطنيين الانكباب على مراجعة الإرث الثوري الصحراوي، وإغنائه بالكتابة والشرح والتفصيل لتقديمه لأجيالنا الناشئة بصورة تمدّه بالمناعة والخلود، وربما لا أكون مسرفا في الالتماس إذا طلبت من الأخوة الكرام كتابة مواضيع حول الوحدة الوطنية (ونحن نحي ذكراها الثالثة والثلاثين)، سواء بالتأريخ أو دراسة الفكر الثوري حول هذه المسألة أو بالرجوع إلى واقعنا الراهن ومراجعته وذلك لإعطاء هذا المفهوم حقه والعمل به وتبليغ أجيالنا فحواه وللابتعاد به عن السطحية والموسمية. فعيد وحدة سعيد. |
|
mohadad العضو المميز


سجّل في : 24 يناير 2008 عدد المساهمات : 185 الموقع : www.saharalibre76.jeeran.com علم البلد : 
| موضوع: رد: الثورة الصحراوية والبناء الاجتماعي: من الواقع المرفوض نحو الواقع المطلوب الخميس يوليو 03, 2008 8:44 pm | |
| مشكور على هذا الموضوع الرائع الذي يسعى الى تسليط الضوء على نهجنا الثوري القوي ، وهو دعوة صريحة لنا كصحراويين الى المساهمة في اغناء تجربتنا النضالية واثراء البحوث والدراسات والأفكار المتعلقة بهذه التجربة لتمتين وتقوية اسس قضيتنا وربط اجيالنا المتعاقبة بمباديء ومرتكزات العمل الوطني الثوري
تحية خالصة لك
|
|
dam chahid مهيب *


سجّل في : 04 يناير 2008 عدد المساهمات : 1782 علم البلد : 
| موضوع: رد: الثورة الصحراوية والبناء الاجتماعي: من الواقع المرفوض نحو الواقع المطلوب الجمعة يوليو 04, 2008 8:51 pm | |
| شكرا لك على الموضوع واصل تميزك كل الوطن اوالشهادة  |
|